فصل: باب تفسير أسماء القرآن وذكر السورة والآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.فصل فيما قيل في الكلام في تفسير القرآن والجرأة عليه ومراتب المفسرين:

روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر من كتاب الله تعالى إلا آيا بعدد علمهن إياه جبريل عليه السلام.
قال ع: ومعنى هذا الحديث في مغيبات القرآن وتفسير مجمله ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله تعالى.
ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به عباده كوقت قيام الساعة ونحوها، ومنها ما يستقرأ من ألفاظه كعدد النفخات في الصور وكرتبة خلق السموات والأرض.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».
ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء أو اقتضته قوانين العلوم كالنحو والأصول.
وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر؛ فإن هذا القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه، وكان جلة من السلف كسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وغيرهما يعظمون تفسير القرآن ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم مع إدراكهم وتقدمهم، وكان جلة من السلف كثير عددهم يفسرونه وهم أبقوا على المسلمين في ذلك رضي الله عن جميعهم.
ت: وخرج أبو عيسى الترمذي في جامعه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وخرج أيضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم؛ فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
وخرج عن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ». قال أبو عيسى: هكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم.
وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم، وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم.
حدثنا الحسين بن مهدي البصري حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها بشيء.
وحدثنا ابن أبى عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن الأعمش قال: قال مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج إلى أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت. انتهى ما نقلته من الترمذي. ثم قال ع: فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويتلوه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو تجرد للأمر وكمله، وتتبعه العلماء عليه كمجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما، والمحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن علي بن أبي طالب.
وقال ابن عباس: ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب.
وكان علي بن أبي طالب يثني على تفسير ابن عباس، ويحض على الأخذ عنه.
وكان عبد الله بن مسعود يقول: نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس.
وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». وحسبك بهذه الدعوة.
ويتلوه عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وكل ما أخذ عن الصحابة فحسن متقدم.
ومن المبرزين في التابعين الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعلقمة.
وقد قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهم ووقوف عند كل آية.
ويتلوهم عكرمة والضحاك بن مزاحم وإن كان لم يلق ابن عباس، وإنما أخذ عن ابن جبير.
وأما السدي رحمه الله تعالى فكان عامر الشعبي يطعن عليه وعلى أبى صالح؛ لأنه كان يراهما مقصرين في النظر.
ثم حمل تفسير كتاب الله عز وجل عدول كل خلف، وألف الناس فيه كعبد الرزاق والمفضل وعلي بن أبي طلحة والبخاري وغيرهم.
ثم إن محمد بن جرير الطبري رحمه الله جمع على الناس أشتات التفسير، وقرب البعيد، وشفى في الإسناد.
ومن المبرزين في المتأخرين أبو إسحاق الزجاج وأبو علي الفارسي؛ فإن كلامهما منخول.
وأما أبو بكر النقاش وأبو جعفر النحاس رحمهما الله فكثيرا ما استدرك الناس عليهما وعلى سننهما مكي بن أبي طالب رحمه الله.
وأبو العباس المهدوي رحمه الله متقن التأليف.
وكلهم مجتهد مأجور رحمهم الله ونضر وجوههم.

.فصل [في نزول القرآن على سبعة أحرف]:

واختلف الناس في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه».
ثم قال ع بعد كلام: والذي مال إليه كثير من أهل العلم كأبي عبيد وغيره أن معنى الحديث أنه أنزل على سبع لغات لسبع قبائل، ثم اختلفوا في تعيينهم، وأنا ألخص الغرض جهدي بحول الله: فأصل ذلك وقاعدته قريش، ثم بنو سعد بن بكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرشي، واسترضع في بني سعد ونشأ فيهم، ثم ترعرع وشب وهو يخالط في اللسان كنانة وهذيلا وثقيفا وخزاعة وأسد وضبة وألفافها؛ لقربهم من مكة وتكرارهم عليها، ثم بعد هذه تميما وقيسا ومن انضاف إليهم وسط جزيرة العرب، فلما بعثه الله تعالى ويسر عليه أمر الأحرف أنزل عليه القرآن بلغة هذه الجملة المذكورة، وهي التي قسمها على سبعة لها السبعة الأحرف، وهي اختلافها في العبارة.
قال ثابت بن قاسم: لو قلنا من هذه الأحرف لقريش ومنها لكنانة ومنها لأسد ومنها لهذيل ومنها لتميم ومنها لضبة وألفافها ومنها لقيس لكان قد أتى على قبائل مضر في مراتب سبعة تستوعب اللغات التي نزل بها القرآن، وهذا نحو ما ذكرناه، وهذه الجملة هي التي انتهت إليها الفصاحة وسلمت لغاتها من الدخل، ويسرها الله لذلك ليظهر آية نهيه بعجزها عن معارضة ما أنزل عليه وسبب سلامتها أنها في وسط جزيرة العرب في الحجاز ونجد وتهامة فلم تطرقها الأمم، فأما اليمن وهو جنوبي الجزيرة فأفسدت كلام عربه خلطة الحبشة والهنود، على أن أبا عبيد القاسم بن سلام وأبا العباس المبرد قد ذكرا أن عرب اليمن من القبائل التي نزل القرآن بلغاتها.
قال ع: وذلك عندي إنما هو فيما استعملته عرب الحجاز من لغة اليمن كالعرم والفتاح، فأما ما انفردوا به كالزخيخ والقلوب فليس في كتاب الله منه شيء.
وأما ما والى العراق من جزيرة العرب، وهي بلاد ربيعة وشرقي الجزيرة، فأفسدت لغتها مخالطة الفرس والنبط ونصارى الحيرة وغير ذلك.
وأما الذي يلي الشام وهو شمالي الجزيرة وهي بلاد آل جفنة وغيرهم، فأفسدها مخالطة الروم وكثير من بني إسرائيل.
وأما غربي الجزيرة فهي جبال تسكن بعضها هذيل وغيرهم وأكثرها غير معمور فبقيت القبائل المذكورة سليمة اللغات لم تكدر صفو كلامها أمة من العجم.
ويقوى هذا المنزع أنه لما اتسع نطاق الإسلام وداخلت الأمم العرب، وتجرد أهل المصرين البصرة والكوفة لحفظ لسان العرب وكتب لغتها لم يأخذوا إلا من هذه القبائل الوسيطة المذكورة، ومن كان معها وتجنبوا اليمن والعراق والشام فلم يكتب عنهم حرف واحد، وكذلك تجنبوا حواضر الحجاز مكة والمدينة والطائف؛ لأن السبي والتجار من الأمم كثروا فيها، فأفسدوا اللغة وكانت هذه الحواضر في مدة النبي صلى الله عليه وسلم سليمة لقلة المخالطة، فمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» أي فيه عبارات سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظة، ألا ترى أن فطر معناها عند غير قريش ابتداء خلق الشيء وعمله، فجاءت في القرآن فلم تتجه لابن عباس حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها. قال ابن عباس: ففهمت حينئذ موقع قوله سبحانه: {فاطر السماوات والأرض}. وقال أيضا: ما كنت أدري معنى قوله تعالى: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا} حتى سمعت بنت ذي جدن تقول لزوجها: تعال أفاتحك، أي: أحاكمك.
وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: {أو يأخذهم على تخوف} فوقف به فتى فقال: إن أبي يتخوفني حقي فقال عمر: الله اكبر {أو يأخذهم على تخوف} أي على تنقص لهم.
وكذلك اتفق لقطبة بن مالك إذ سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة {والنحل باسقات} ذكره مسلم في باب القراءة في صلاة الفجر إلى غير هذا من الأمثلة.
فأباح الله تعالى لنبيه عليه السلام هذه الحروف السبعة، وعارضه بها جبريل في عرضاته على الوجه الذي فيه الإعجاز وجودة الرصف.
ولم تقع الإباحة في قوله: {فاقرءوا ما تيسر منه} بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه، ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن وكان معرضا أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله، وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي صلى الله عليه وسلم ليوسع بها على أمته فقرأ مرة لأبي بما عارضه به جبريل ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضا.
وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف».

.فصل في ذكر الألفاظ التي في القرآن مما للغات العجم بها تعلق:

اختلف الناس في هذه المسألة؛ فقال أبو عبيدة وغيره: إن في كتاب الله تعالى من كل لغة.
وذهب الطبري وغيره إلى أن القرآن ليس فيه لفظة إلا وهي عربية صريحة، وأن الأمثلة والحروف التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها توارد اللغتين، فتكلمت العرب والفرس أو الحبشة بلفظ واحد، وذلك مثل قوله تعالى: {إن ناشئة الليل} قال ابن عباس: نشأ بلغة الحبشة قام من الليل.
ومنه قوله تعالى: {يؤتكم كفلين من رحمته} قال أبو موسى الأشعري: كفلان ضعفان من الأجر بلسان الحبشة.
وكذلك قال ابن عباس في القسورة أنه الأسد بلغة الحبشة، إلى غير هذا من الأمثلة.
قال ع: والذي أقوله أن القاعدة والعقيدة هي أن القرآن بلسان عربي مبين، وليس فيه لفظة تخرج عن كلام العرب فلا تفهمها إلا من لسان آخر.
فأما هذه الألفاظ وما جرى مجراها فإنه قد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وسفر إلى الشام وأرض الحبشة، فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مجرى العربي الصريح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن فإن جهلها عربي ما فكجهله الصريح مما في لغة غيره، كما لم يعرف ابن عباس معنى فاطر إلى غير ذلك، فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها، فهي عربية بهذا الوجه.
وما ذهب إليه الطبري من أن اللغتين اتفقتا في لفظة لفظة فذلك بعيد، بل إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر؛ لأنا لا ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذا.

.باب تفسير أسماء القرآن وذكر السورة والآية:

هو القرآن، وهو الكتاب، وهو الفرقان، وهو الذكر.
فالقرآن مصدر من قولك: قرأ الرجل إذا تلا يقرأ قرآنا وقراءة.
وقال قتادة: القرآن معناه التأليف، قرأ الرجل إذا جمع وألف قولا.
وبهذا فسر قتادة قوله تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنه} أي تأليفه.
والقول الأول: أن القرآن مصدر من قرأ إذا تلا، ومنه قول حسان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان رضي الله عنه:
ضحوا باشمط عنوان السجود به ** يقطع الليل تسبيحا وقرءانا

أي وقراءة.
وأما الكتاب فهو مصدر من كتب إذا جمع، ومنه قيل كتيبة لاجتماعها، ومنه قول الشاعر:
واكتبها باسيار

أي اجمعها.
وأما الفرقان فهو أيضا مصدر؛ لأنه فرق بين الحق والباطل والمؤمن والكافر فرقانا وفرقانا.
وأما الذكر فسمي بذلك لأنه ذكر به الناس آخرتهم وإلههم وما كانوا في غفلة عنه، فهو ذكر لهم.
وقيل: سمي بذلك لأن فيه ذكر الأمم الماضية والأنبياء.
وقيل: سمي بذلك لأنه ذكر وشرف لمحمد صلى الله عليه وسلم وقومه وسائر العلماء به.
وأما السورة فإن قريشا كلها ومن جاورها من قبائل العرب كهذيل وسعد بن بكر وكنانة يقولون سورة بغير همز، وتميم كلها وغيرهم يهمزون.
فأما من همز فهي عنده كالبقية من الشيء والقطعة منه التي هي سؤر وسؤرة من اسأر إذا أبقى، ومنه: سؤر الشراب.
وأما من لا يهمز فمنهم من يراها من المعنى المتقدم، إلا أنها سهلت همزتها، ومنهم من يراها مشبهة بسورة البناء، أي: القطعة منه؛ لأن كل بناء فإنما بني قطعة بعد قطعة، فكل قطعة منها سورة، فكان سور القرآن هي قطعة بعد قطعة حتى كمل منها القرآن.
ويقال أيضا للرتبة الرفيعة من المجد والملك سورة، ومنه قول النابغة الذبياني للنعمان بن المنذر:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ** ترى كل ملك دونها يتذبذب

فكأن الرتبة انبنت حتى كملت.
وأما الآية فهي العلامة في كلام العرب، ولما كانت الجملة التامة من القرآن علامة على صدق الآتي بها وعلى عجز المتحدى بها سميت آية هذا قول بعضهم.
وقيل: سميت آية لما كانت جملة وجماعة كلام، كما تقول العرب: جئنا بآيتنا، أي: بجماعتنا.
وقيل: لما كانت علامة للفصل بين ما قبلها وما بعدها سميت آية.
ت: وقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب...» الحديث. و«آية الإيمان حب الأنصار»، و«آية ما بيننا وبين المنافقين شهود العشاء» يقوى القول الأول، والله أعلم.
وهذا هو الراجح في مختصر الطبري قال: والآية العلامة، وذلك أظهر في العربية والقرآن.
وأصح القول أن آيات القرآن علامات للإيمان وطاعة الله تعالى ودلالات على وحدانيته وإرسال رسله وعلى البعث والنشور وأمور الآخرة وغير ذلك مما تضمنته علوم القرآن. انتهى.